محمد أبو زهرة
1357
زهرة التفاسير
عن المنكر مقدما لبيان أنه مطلوب لذاته ، وأنه فضيلة لا تختلف فيها الأمم ولا الجماعات ، فهو كالصدق والعدل والحق تتفق عليها الأفهام وبل ولا يمكن أن يتحقق بنيان جماعة من غير تحققه ، وإلا كانت كالذئاب الضارية ، أو كانت كالوحوش في الغابة ، والإيمان سياج الجماعة وحمايتها من أن تضل ، وكأن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر هو الذي يقوم به بناء الجماعة ، والإيمان هو الذي يحميها ويسدد خطاها ، فذكر ما يقوم به البناء ثم ذكر ما يكون به ذلك البناء في دائرة الفضيلة والأخلاق الكريمة وهو الإيمان ، وفي الحقيقة هما متلازمان ، فالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والتواصى بالحق يتبعه إيمان الشذاذ الخارجين ، والإيمان الحق باللّه تعالى والإذعان لأوامره ونواهيه يتبعه حتما الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر . هذا هو الجواب عن الجزء الأول من السؤال ، أما الجواب عن الجزء الثاني ، وهو لما ذا اقتصر على ذكر الإيمان باللّه ؟ فهو أن الإيمان باللّه هو لب الإيمان بكل أجزائه وعناصره ، فالإيمان باللّه هو الإذعان المطلق لقوة غيبية تسيّر هذا الكون وتدبره ، وتقوم على كلاءته وحمايته ، والإيمان بقوة غيبية يقتضى الإيمان برسالتها للناس ، ويقتضى الإيمان بالأرواح الطاهرة المطهرة ، والإيمان بأن اللّه لم يخلق هذه الأشياء عبثا ، وإن ذلك يقتضى الإيمان بقدرة اللّه على الإعادة كما بدأ الخلق بالتكوين ، وبأن هنالك يوما آخر فيه الحساب ، وإن من يؤمن باللّه ولا يؤمن بهذه العناصر كلها لا يكون مؤمنا باللّه حق الإيمان ، ولا مذعنا لأحكامه حق الإذعان ، ولذا كان أهل الكتاب الذين أعلنوا إيمانهم باللّه ، وأنكروا رسالة الرسول مع قيام البينات عليها غير مؤمنين ، وغير مذعنين للحق الذي ارتضاه اللّه . ويجب التنبيه هنا إلى أمرين : أولهما : أن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر غير تغيير المنكر ، وغير العمل بالفعل على منعه ، فالأمر والنهى إرشاد وتوجيه ونصح وتنبيه ، والتغيير يكون بالعمل المنظم والأحكام الرادعة ، وذلك يتولاه الحكام ، إلا إذا تقاصرت همم الحكام ، فإنه يجب تغييرهم ليتولى من يقيم حدود اللّه ، وينفذ الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر .